تتجه صادرات الديزل من آسيا إلى أفريقيا لتسجيل أعلى مستوى لها في أكثر من أربع سنوات، في تطور يعكس إعادة رسم خرائط تجارة الوقود العالمية على وقع التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط. وبحسب ما ذكرته شبكة الجزيرة، فإن هذه القفزة في الشحنات الآسيوية تأتي في وقت تتراجع فيه إمدادات الديزل من دول الشرق الأوسط إلى القارة الأفريقية، بفعل الحرب الدائرة في المنطقة والتهديدات المتصاعدة التي تواجه حركة الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب.
ويمثل هذان المضيقان شريانين حيويين لتجارة النفط والمنتجات المكررة عالمياً، إذ يُعد مضيق هرمز الممر الرئيسي لصادرات الخام والمشتقات النفطية من دول الخليج، بينما يشكل باب المندب حلقة وصل أساسية بين البحر الأحمر وخليج عدن، وممراً لا غنى عنه للسفن المتجهة من آسيا والخليج إلى أوروبا وأفريقيا عبر قناة السويس. وأي اضطراب أو تهديد لحركة الملاحة في هذين الممرين ينعكس مباشرة على تكاليف الشحن وتوقيت التسليم، وهو ما يدفع المصدرين والمستوردين على حد سواء إلى إعادة تقييم مصادر إمداداتهم بحثاً عن بدائل أكثر أمناً واستقراراً.
في هذا السياق، تبدو المصافي الآسيوية، وخاصة في الهند وكوريا الجنوبية والصين، المستفيد الأكبر من هذا التحول، حيث تملك هذه الدول قدرات تكرير فائضة تمكّنها من زيادة صادراتها نحو الأسواق الأفريقية سريعاً لتعويض النقص الناجم عن تراجع الشحنات القادمة من الشرق الأوسط. ويأتي هذا التحول في وقت حساس بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية التي لا تزال تراقب بحذر أي تطورات ميدانية قد تؤثر على تدفق النفط والمنتجات المكررة من منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام.
وتُعد أفريقيا من أكبر المستوردين للديزل نظراً لمحدودية قدراتها التكريرية المحلية مقارنة باستهلاكها المتنامي، مما يجعلها سوقاً حساسة لأي تحولات في خارطة الإمدادات العالمية. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في الشرق الأوسط قد يرسخ هذا التوجه نحو الاعتماد الأكبر على الإمدادات الآسيوية على المدى القريب، خصوصاً إذا استمرت المخاوف بشأن سلامة الملاحة في المضيقين الاستراتيجيين.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
قد يحمل هذا التطور دلالات مهمة لدول مجلس التعاون الخليجي، التي تعتمد بشكل كبير على مضيق هرمز كممر أساسي لصادراتها النفطية. فأي تهديد فعلي أو محتمل لحركة الملاحة في هذا المضيق قد يدفع بعض المصدرين الخليجيين إلى فقدان حصص سوقية تقليدية في أفريقيا لصالح منافسين آسيويين، وهو ما قد يترك أثراً على عائدات الصادرات النفطية لدول مثل السعودية والإمارات والكويت التي ترتبط موازناتها العامة ارتباطاً وثيقاً بأسعار وحجم صادرات النفط والمشتقات.
كما أن استمرار التوترات في هرمز وباب المندب قد يرفع تكاليف التأمين البحري وأقساط الشحن على السفن العابرة، وهو عامل قد ينعكس بشكل غير مباشر على تكلفة الواردات والصادرات في اقتصادات الخليج المرتبطة عملاتها بالدولار الأمريكي، مما يزيد من حساسية هذه الاقتصادات لأي صدمات خارجية في سلاسل الإمداد. وعادةً ما تترجم الأسواق المالية الخليجية، وعلى رأسها بورصة تداول السعودية وسوق دبي المالي، أي تصعيد جيوسياسي في هذه الممرات إلى تحركات في أسهم شركات الطاقة والشحن والخدمات اللوجستية، نظراً لارتباط أداء هذه القطاعات المباشر بسلاسة حركة الصادرات النفطية.
ومن المرجح أن تستمر الأنظار مسلطة على مدى قدرة الدول الخليجية على تنويع مسارات تصدير النفط والمشتقات بعيداً عن الاعتماد الكامل على المضيقين الحيويين، في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة العالمية إعادة ترتيب متسارعة لتوازناتها التقليدية.




