في تحليل نشرته شبكة الجزيرة، سلّطت الضوء على كيفية تحويل الرئيس الصيني شي جين بينغ لما كان يُعد نقطة ضعف إستراتيجية لبلاده -وهي الاعتماد الكبير على واردات النفط الخام- إلى أداة نفوذ جيوسياسي تخدم مصالح بكين في مواجهة الضغوط الغربية والاضطرابات الإقليمية.
وبحسب الجزيرة، فإن الصين راكمت على مدى سنوات مخزونات نفطية ضخمة، جعلتها في موقع أفضل لمواجهة أي صدمات مفاجئة في أسواق الطاقة العالمية، سواء كانت ناجمة عن نزاعات مسلحة أو عقوبات دولية أو اضطرابات في خطوط الإمداد. هذه المخزونات، كما أشارت الجزيرة، لم تعد مجرد احتياط طارئ بل تحولت إلى ورقة تفاوضية تمنح بكين مرونة أكبر في تعاملها مع الأسواق والدول المصدرة على حد سواء.
وأوضحت الجزيرة أن هذا التحول لم يقتصر على تخزين النفط فحسب، بل ترافق مع تسارع لافت في مسار الصين نحو الطاقة البديلة، ما مكّن بكين من كبح اعتمادها المتزايد على واردات الخام من الخارج. هذا المسار المزدوج -تخزين النفط من جهة، والتوسع في الطاقة النظيفة من جهة أخرى- أعطى الصين هامش أمان إستراتيجيا لم يكن متوفرا لها في السابق، بحسب ما جاء في التحليل.
ولفتت الجزيرة إلى أن هذه الإستراتيجية أظهرت فعاليتها بشكل خاص في سياق التوترات المرتبطة بإيران، حيث تمكنت الصين من كبح الأثر المباشر لحرب إيران على أمنها الطاقي، بفضل ما تملكه من احتياطيات ومصادر بديلة، بدلا من أن تكون رهينة لتقلبات سعرية أو انقطاعات مفاجئة في الإمدادات قد تنجم عن مثل هذه النزاعات.
كما ربط التحليل بين هذه السياسة وبين تقليص انكشاف الصين أمام الضغوط الغربية، إذ إن تراكم المخزونات وتنويع مصادر الطاقة يقلل من قدرة أي طرف خارجي على استخدام ورقة النفط كأداة ضغط على بكين، سواء عبر العقوبات أو عبر التلويح بتقييد الإمدادات.
ويعكس هذا التحول، بحسب ما استعرضته الجزيرة، فلسفة أوسع تتبعها القيادة الصينية في التعامل مع ملفات الأمن القومي، حيث يُنظر إلى الطاقة كأحد أهم عناصر السيادة الإستراتيجية، لا كمجرد سلعة تُشترى وتُباع في الأسواق الدولية. وبهذا المعنى، فإن ما بدأ كإجراء احتياطي لمواجهة تقلبات الأسواق تحول تدريجيا إلى أداة نفوذ تستخدمها بكين في حساباتها الجيوسياسية الأوسع.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
قد يحمل هذا التحول الصيني تداعيات غير مباشرة على دول مجلس التعاون الخليجي، التي تُعد من أكبر مصدّري النفط للصين. فتراكم المخزونات الصينية وتسارع التحول نحو الطاقة البديلة قد يُترجم مستقبلا إلى تباطؤ في معدلات نمو الطلب الصيني على الخام الخليجي، وهو أمر قد يستدعي من منتجي الخليج إعادة تقييم إستراتيجياتهم التسويقية والتصديرية على المدى المتوسط والبعيد.
كما أن قدرة بكين المتزايدة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية، كما حدث مع تداعيات حرب إيران، قد تقلل من حدة تقلبات الطلب الصيني في أوقات الأزمات الإقليمية، مما ينعكس بدوره على استقرار نسبي في تدفقات الصادرات النفطية الخليجية نحو السوق الصينية. ومع ذلك، فإن أي تباطؤ محتمل في نمو الطلب الصيني على النفط قد يؤثر تدريجيا على الإيرادات النفطية لدول الخليج، التي ترتبط عملاتها بالدولار الأمريكي، وبالتالي قد تنعكس أي تحولات في أسعار النفط العالمية على مؤشرات الموازنات العامة وتكلفة الاقتراض في المنطقة. ويبقى من المرجح أن تستمر دول الخليج في متابعة هذه التحولات الصينية عن كثب، بالنظر إلى الوزن الكبير للسوق الصينية في معادلة الطلب العالمي على النفط.




