أظهرت العملة الرقمية بيتكوين مناعة لافتة تجاه أحدث موجة من التصعيد الجيوسياسي، بعد أن شنت الولايات المتحدة ضربة استهدفت إيران، في وقت شهدت فيه أسواق المال العالمية تباعداً واضحاً بين أداء الأصول التقليدية والأصول الرقمية.
وبحسب ما ذكره موقع كوين ديسك (CoinDesk) المتخصص في أخبار العملات الرقمية، فإن بيتكوين "بالكاد رمش" رداً على تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، في مقابل ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط وتراجع مؤشرات الأسهم الأمريكية والعالمية. وأشار الموقع إلى أن بيتكوين لا يزال يحتفظ بلقب الأصل الأفضل أداءً خلال شهر أغسطس، حتى مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية التي عادة ما تدفع المستثمرين نحو الأصول الأكثر أماناً كالذهب والسندات الحكومية.
هذا التباين في ردود الفعل يعيد إلى الواجهة النقاش القديم حول طبيعة بيتكوين: هل هو "ملاذ آمن" رقمي شبيه بالذهب يقصده المستثمرون في أوقات الأزمات، أم أنه لا يزال أصلاً مرتبطاً بمعنويات المخاطرة (risk-on) يتحرك بالتوازي مع الأسهم التقنية والنمو؟ فبينما اتجه المستثمرون التقليديون إلى بيع الأسهم وشراء النفط كتحوط من مخاطر تعطل إمدادات الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، لم تُترجم هذه المخاوف إلى موجة بيع مماثلة في سوق العملات الرقمية.
ولم يقدم التقرير أرقاماً تفصيلية حول نسب الارتفاع في النفط أو التراجع في الأسهم، لكنه أكد أن اتجاه الحركة كان واضحاً: نفط للأعلى، أسهم للأسفل، وبيتكوين شبه ثابت. هذا النمط، إن استمر، قد يعزز حجة بعض المحللين بأن بيتكوين بدأ يتصرف بشكل مستقل نسبياً عن الأصول التقليدية في لحظات الصدمات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة والشرق الأوسط تحديداً، بخلاف الصدمات المرتبطة بأسعار الفائدة أو السياسة النقدية حيث يظل الارتباط بالأسهم التقنية قوياً في العادة.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
بالنسبة لأسواق الخليج، فإن أي تصعيد عسكري يشمل إيران يحمل حساسية مضاعفة نظراً للقرب الجغرافي ومرور جزء كبير من صادرات النفط والغاز عبر مضيق هرمز. ارتفاع أسعار النفط الذي أشار إليه كوين ديسك قد يصب، في الأجل القصير، في صالح موازنات دول مجلس التعاون الخليجي المصدرة للنفط كالسعودية والإمارات والكويت وقطر، عبر تحسن الإيرادات النفطية، حتى لو ترافق ذلك مع تراجع في أسواق الأسهم العالمية قد ينعكس جزئياً على بورصات المنطقة كتداول السعودية وسوق دبي المالي وسوق أبوظبي.
في المقابل، ونظراً لارتباط عملات دول الخليج الست تقريباً بالدولار الأمريكي، فإن أي تحرك حاد في الدولار أو في توقعات الفائدة الأمريكية عقب هذا التصعيد قد ينعكس بشكل غير مباشر على تكلفة الاقتراض المحلية وحركة رؤوس الأموال في المنطقة. أما على صعيد العملات الرقمية، فإذا صحّ أن بيتكوين يتجه لأداء أكثر استقلالية عن الأسهم في أوقات الأزمات المرتبطة بالطاقة، فقد يجذب هذا مزيداً من الاهتمام من مستثمري الخليج الأفراد والمؤسسات الذين ينظرون إلى الأصول الرقمية كوسيلة تنويع محتملة، خصوصاً في ظل التوسع التنظيمي للعملات الرقمية في مراكز مالية إقليمية مثل دبي وأبوظبي والبحرين. ويبقى من المهم التنبه إلى أن هذا النمط قد لا يتكرر بالضرورة في أي تصعيد مستقبلي، وأن تقلب بيتكوين التاريخي يجعل أي استقرار مؤقت في مواجهة الأزمات أمراً يستحق المراقبة الحذرة لا الاستنتاج الجازم.




