تصدّر رقم الدين الفيدرالي الأمريكي، الذي اقترب من مستوى 40 تريليون دولار، اهتمام الأسواق المالية مجدداً، بعد أن استخدم أحد استراتيجيي الأسواق مقارنة لافتة لتوضيح ضخامة هذا الرقم، حيث قال إن قيمة هذا الدين تعادل 72 مرة قيمة جبل إيفرست إذا حُوّلت إلى نقد فعلي، بحسب ما ذكرته منصة Yahoo Finance.
وبحسب التقرير، فإن الهدف من هذه المقارنة الرمزية ليس إثارة القلق فقط، بل توضيح حجم الأرقام الفلكية التي بات الاقتصاد الأمريكي يتعامل معها في ملف الدين العام. فالمبلغ الذي يبدو مجرداً على الورق، حين يُترجم إلى كتلة نقدية مادية مكدّسة، يتضح أنه يتجاوز بأضعاف مضاعفة أعلى قمة جبلية في العالم.
لكن اللافت في التحليل الذي نقلته Yahoo Finance هو أن الاستراتيجي لم يقف عند حدّ إظهار ضخامة الرقم لإخافة القراء، بل ذهب إلى نقطة مضادة تحاول التخفيف من وقع هذه الأرقام، وهي أن جزءاً كبيراً من هذا الدين مملوك للأمريكيين أنفسهم، سواء عبر صناديق التقاعد أو المؤسسات المالية المحلية أو حيازات الأفراد المباشرة من السندات الحكومية. والفكرة الأساسية هنا أن الدين الذي يُموَّل داخلياً، بحيث تكون الدولة مديونة لمواطنيها أكثر من كونها مديونة لجهات خارجية، يحمل طبيعة مختلفة عن الدين الذي يعتمد بشكل كامل على تمويل أجنبي، من حيث المخاطر السياسية والاقتصادية المرتبطة بالسيطرة على أدوات السياسة المالية والنقدية.
هذا النوع من التحليلات يعكس نقاشاً أوسع يدور في الأسواق الأمريكية والعالمية حول ما إذا كان تضخم الدين الفيدرالي إلى هذا المستوى يمثل تهديداً حقيقياً للاستقرار المالي على المدى الطويل، أم أنه أمر يمكن استيعابه ما دامت الولايات المتحدة تحتفظ بقدرتها على الاستدانة بعملتها الخاصة وضمن نظام مالي عالمي لا يزال الدولار يتصدره كعملة احتياط رئيسية.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
ارتفاع الدين الأمريكي إلى هذه المستويات القياسية قد يكون له انعكاسات غير مباشرة على أسواق الخليج، خصوصاً في ظل ارتباط عملات دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها الريال السعودي والدرهم الإماراتي، بالدولار الأمريكي بشكل مباشر أو شبه مباشر. فأي تحولات في نظرة الأسواق العالمية لمخاطر الدين الأمريكي قد تنعكس على حركة أسعار الفوائد وتوقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، وهو ما يؤثر بدوره على تكلفة الاقتراض في اقتصادات الخليج المرتبطة عملاتها بالدولار.
كما أن الصناديق السيادية الخليجية، التي تُعد من كبار حائزي سندات الخزانة الأمريكية على مستوى العالم، قد تجد نفسها أمام إعادة تقييم مستمرة لمحافظها الاستثمارية كلما تصاعد النقاش حول استدامة الدين الأمريكي. ومن المرجح أن تراقب أسواق الأسهم الخليجية، مثل تداول السعودية أو سوق دبي المالي، أي تطورات مرتبطة بقرارات الفيدرالي أو تغيّر شهية المستثمرين العالميين تجاه الأصول الأمريكية، إذ عادةً ما تنتقل تأثيرات هذه القرارات إلى أسواق المال الخليجية عبر قنوات السيولة وتوجهات المستثمرين الأجانب.
في المقابل، يبقى من غير المؤكد إلى أي مدى سيؤثر تضخم الدين الأمريكي فعلياً على قرارات الاستثمار الخليجية في الأصول الأمريكية، خصوصاً أن هذه الأصول لا تزال تُعتبر من أكثر الملاذات الآمنة عالمياً حتى في ظل النقاش المستمر حول حجم الدين.




