تبرز أذربيجان كمثال لافت على التحول التدريجي في استراتيجيات الدول المنتجة للنفط والغاز، حيث تسعى الدولة الواقعة على ضفاف بحر قزوين إلى بناء قطاع طاقة نظيفة موازٍ لصناعتها النفطية العريقة. وبحسب ما ذكره موقع أويل برايس (OilPrice) المتخصص في أسواق الطاقة، فإن أذربيجان تُعد من أقدم الدول المنتجة والمصدّرة للنفط في العالم، حيث بدأت استخراج الخام منذ منتصف القرن التاسع عشر، وما تزال حتى اليوم لاعباً رئيسياً في أسواق النفط العالمية.
وأشار الموقع إلى أن أذربيجان، التي استضافت النسخة التاسعة والعشرين من مؤتمر الأطراف لتغير المناخ التابع للأمم المتحدة (COP29) في عام 2024، تتجه الآن نحو تنويع مزيجها الطاقي عبر توسيع نطاق قدرات الطاقة المتجددة لديها، بعد أن اعتمدت لعقود طويلة على النفط والغاز كمصدر أساسي لتلبية احتياجاتها المحلية وكرافد اقتصادي رئيسي.
وبحسب البيانات التي استعرضها أويل برايس، شكّل الغاز الطبيعي نحو 67 في المائة من إجمالي إمدادات الطاقة في أذربيجان خلال عام 2023، بينما استحوذ النفط ومشتقاته على نسبة 31.1 في المائة من هذا المزيج. وتعكس هذه الأرقام مدى الاعتماد الكبير للاقتصاد الأذري على الوقود الأحفوري، وهو ما يجعل خطوات التنويع نحو مصادر الطاقة النظيفة تحدياً استراتيجياً بالنسبة لصنّاع القرار في باكو.
ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه العديد من الدول المصدّرة للنفط، لا سيما تلك التي استضافت أو ستستضيف قمم المناخ الدولية، إلى تحسين صورتها البيئية وتقديم نموذج يوازن بين الاستمرار في الاستفادة من عائدات الهيدروكربونات وبين الالتزام بأهداف خفض الانبعاثات. وتُظهر تجربة أذربيجان أن استضافة مؤتمرات المناخ الكبرى قد تشكل حافزاً إضافياً للدول المنتجة للنفط لإعادة النظر في سياساتها الطاقية بعيدة المدى، حتى مع بقاء النفط والغاز مصدرين رئيسيين للدخل القومي في المدى القريب.
ماذا يعني هذا للأسواق الخليجية؟
تتشابه الحالة الأذرية إلى حد كبير مع مسار عدد من دول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد بشكل كبير على عائدات النفط والغاز، وفي الوقت نفسه تعلن عن برامج ضخمة للتنويع الاقتصادي والطاقي، مثل رؤية السعودية 2030 واستراتيجيات الإمارات في الطاقة النظيفة. ومن المرجح أن يُنظر إلى تجربة أذربيجان، وهي دولة نفطية استضافت قمة مناخية عالمية ثم أعلنت عن خطط لتوسيع الطاقة المتجددة، كنموذج مقارَن يمكن أن تستشهد به دول الخليج في خطابها المتعلق بالتحول الطاقي أمام المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.
كما قد يعزز هذا النوع من الأخبار، عند تكرارها من دول نفطية أخرى، الضغط التنافسي على شركات الطاقة الخليجية لتسريع مشاريعها في الهيدروجين والطاقة الشمسية، خصوصاً أن أسواق التمويل العالمية أصبحت أكثر حساسية لمعايير الاستدامة عند تقييم السندات والصكوك السيادية المرتبطة بقطاع الطاقة. وبما أن عملات دول الخليج مرتبطة بالدولار الأمريكي، فإن أي تحركات كبرى في أسواق النفط والغاز العالمية، ولو كانت مرتبطة بدولة صغيرة نسبياً كأذربيجان، تبقى عادةً محدودة التأثير المباشر على سيولة الأسواق الخليجية، لكنها قد تُضاف إلى مجموع المؤشرات التي يرصدها المستثمرون والمحللون عند تقييم مستقبل الطلب على النفط والغاز في العقود المقبلة.




